ابن العربي
765
أحكام القرآن
المسألة الثالثة - قوله : عَلى طاعِمٍ : المحرمات على ثلاثة أقسام : مطعومات ، ومنكوحات ، وملبوسات . فأما المطعومات والمنكوحات فقد استوفى اللّه بيانها في القرآن كثيرا ، ومنها في السنّة توابع . وأما الملبوسات فمنها في القرآن إشارات وتمام ذلك في السنّة ؛ وقال اللّه : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ . . . الآية . فأما الميتة والدم فقد تقدّم الكلام عليهما في البقرة والمائدة ، وكذلك قوله « 1 » : وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ، وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ . وكان ورود ذكر الدم مطلقا هناك وورد هاهنا مقيّدا بالسّفح . واختلف الناس في حمل المطلق هاهنا على المقيّد على قولين : فمنهم من قال : إنّ كلّ دم محرّم إلّا الكبد ، والطّحال ، باستثناء السنّة كما تقدم . ومنهم من قال : إنّ التحريم يختصّ بالمسفوح ؛ قالته عائشة ، وعكرمة ، وقتادة . وروى عن عائشة أنها قالت : لولا أن اللّه قال : أَوْ دَماً مَسْفُوحاً لتتبّع الناس ما في العروق . قال الإمام الحافظ « 2 » : الصحيح أنّ الدم إذا كان مفردا حرم منه كلّ شيء ، وإن خالط اللحم ؛ جاز ، لأنه لا يمكن الاحتراز منه ، وإنما حرم الدم بالقصد إليه . المسألة الرابعة - اختلف العلماء في هذه الآية على ثلاثة أقوال : الأول - أنها منسوخة بالسنّة ، وحرّم النبىّ صلى اللّه عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية ، وحرّم كلّ ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير ؛ خرّجه الأئمة كلّهم . الثاني - أنها محكمة لا حرام فيها إلّا فيما قالته عائشة . الثالث - قال الزهرىّ ومالك في أحد قوليه : هي محكمة ، ويضم إليها بالسنة ما فيها من محرّم ، فأما من قال : إنها منسوخة بالسنّة فقد اختلف الناس في ذلك كما اختلفوا في نسخ السنّة بها .
--> ( 1 ) سورة البقرة : 173 . ( 2 ) في ل : أبو بكر بن العربي ، وهو المؤلف .